اليمن .. سيرة مليئة بالدم.
قلم / عبدالله برعيه
الحياة في اليمن صاخبة، حفلة بصوت البنادق والطائرات الحربية وصواريخ الهاون!، متى ستنتهي هذه الأصوات المخيفة للأطفال والنساء وحتى الحيوان؟، قالها المبعوث الخاص الى اليمن مارتن غريفث " أوقفوا اطلاق النار حينها سيأتي الحل ".
لم يعد الوضع الإنساني في اليمن يحتمل التأخير لإيقاف إطلاق النار، والمنطقة تعيش اسوء فترة إنسانية يشهدها القرن الحادي والعشرين.
التأزم المستمر لفترة طويلة جعل اساسيات الحياة منعدمة، والإضطرابات في اليمن ليست وليدة الحرب الأخيرة، فقد شهدت اليمن تأزمات متعاقبة بدأت من حرب المملكة العربية السعودية والدولة المتوكلية الزيدية التي تحكم شمال اليمن وذلك بسبب تمرد الأدارسة على السعودية ودخولهم في حرب مستمرة حتى هربوا الى اليمن ليساندهم المتوكليون ويسيطرون على "حجة والحديدة"، وتنتهي الحرب في نجران 1934 بعد اتفاق الطائف، وفي 1984 نشبت ثورة ضد المتوكل الإمام يحي حميد الدين وإغتياله على يد القردعي، حيث عُرف هذا الحدث بالإنقلاب الدستوري، وتم إستعادة الحكم على يد ابنه أحمد بعد 25 يوم، أما في الجنوب العربي فقد بدأت الحرب مع السعوديين على الحدود الشمالية الشرقية " الوديعة " عام 1969 وانتصرت السعودية بالسيطرة على الحدود، وفي 1962-1970 اندلعت الثورة الكبيرة لليمن حيث انتصر الديمقراطيين على الحكم الملكي المتوكلي، حينها أُعلنت الجمهورية اليمنية.
في الأسطر السابقة لم تنتهي الدماء من التدفق لأن النار لازالت مشتعلة واصوات اطلاق النار تدوي كل مكان في اليمن، ففي 14اكتوبر خاض الجنوبيون حرب ضد الاستعمار البريطاني المستبيح لأرضه 129عام، ليعلن الثورة لمدة أربع سنوات من 1963-1967، ولم تنتهي هنا بل بقي الجنوب منشطر لكيانات مفككة واحزاب مختلفة نشأت نتيجة الحرب ليعلن بعد الاستقلال اسم الجبهة في عهد الحمدي وتحديدا في 11 فبراير 1976 م من اتحاد خمس قوى يسارية هي: الحزب الديمقراطي الثوري، ومنظمة المقاومين الثوريين، وحزب الطليعة الشعبية، وحزب العمل اليمني، واتحاد الشعب الديمقراطي. وبالإضافة إلى النشاط المسلح الذي كانت تقوم به الجبهة في المناطق الوسطى بدعم من الحزب الاشتراكي الحاكم في الجنوب آنذاك، فقد اندلعت بين النظامين الشطريين حربان رسميتان، الأولى كانت عام 1972م، والثانية في 1979م، وفيها مني جيش الشمال بخسارة.
وعن حرب 1979 اليمنية التي اندلعت في يومي 28 و 29 مارس بين شمال اليمن وجنوبه في المناطق الحدودية بينهما، نتج عنها انعقاد مؤتمر قمة في الكويت وفي 30 مارس 1979م ضَّم رئيسي الشطرين عبد الفتاح إسماعيل والمقدم علي عبد الله صالح وتوصّلا خلاله إلى اتفاق إنهاء الصراع بين الشمال والجنوب باتفاق حدد الخطوات العملية لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية على أساس الوحدة الاندماجية.
13 يناير 1986 الحرب الأكثر دموية، والتي قُتل فيها الآلاف من قيادة الحزب اليساري وكوادره، في مقدمتهم عبد الفتاح إسماعيل و علي عنتر و علي شائع هادي، في حين غادر علي ناصر محمد وزمرته الجنوب نازحًا مع كافة العناصر الموالية له إلى الشمال الذي استضافهم وقدّم لهم التسهيلات وكانت التصفيات الدموية خلال الأحداث تتم وفق فرز مناطقي حتى قيل عنها حرب البطاقة الشخصية ونجا منها ونجا في هذه المواجهات الدامية علي سالم البيض و حيدر أبو بكر العطاس و سالم صالح محمد.
أراد الرئيس علي سالم البيض أن ينهي الدماء التي ارتوت منها الأرض حتى جفّت من الزرع، ليعلن الوحدة اليمنية عام1990 وتسرّع في الإندماج مع النظام الليبرالي الذي يختلف كلياً عن نظام حكمه لعقود لينتج عنه عدم توافق فكري بين الشعبين والذي استمر حتى اللحظة، وكان من الممكن أن يتفقا على القراروالاتفاق الذي نص على فترة انتقالية تكون مليئة بالمعرفة حتى يتوافق الفكران ثقافة ومعنى لنظام الحكم، لكن النتيجة هوالتردد على الوحدة اليمنية بعد الفترة الانتقالية التي فشلت والتي كانت مطلب الشعب الجنوبي و الشمالي آنذاك، لكن هذا الأمر لم يسمح به الرئيس صالح حينها، ليدافع عن منجز محسوب له بالحرب الأهلية التي مات ضحيتها الكثير من الشعب الجنوبي المنهك بالحروب، بالإضافة الى عناد من الأطراف في تحقيق النسب المتساوية للثروة خصوصاً بعد اكتشاف حقول نفطية جديدة عام 1993 في حضرموت مسقط رأس الرئيس الموقع على الوحدة علي سالم البيض، وهذا ما زاد تعنت الرئيس صالح على الحكم وهو مانتج عنه حرب 1994، ونتيجتها النفسية موجودة حتى اللحظة وهو ماقد يسبب حرب قادمة.
لم تنتهي الحروب حتى الان!.
ففي القرن العشرين في العام 2004 عاد الزيديون مرة اخرى للحرب مع الجمهوريين، لتستمر في سبع حروب متتالية حتى سيطرت على صنعاء 2015.
ومابين هذه الحروب نزاع مسلح مع الجنوبيين الغير متوافقين مع الوحدة اليمنية وصراع حربي مع الجماعات الإرهابية المتطرفة، ودماء نزفت في ثورة الشباب اليمني عام 2011،حتى جاءت الحرب الأخيرة والتي شارك فيها 10 دول تقودها المملكة العربية السعودية ضد الحوثي المنقلب على الشرعية اليمنية التي يقودها الرئيس هادي ولازالت مستمرة حتى الان.
السطور التي كُتبت بينها الاف من القتلى ودمار للبيوت وعدم استقرار لفترة قرن وأكثر، ولازالت اليمن تتخلف عن العالم الذي يتسارع في التقدم نحو التكنلوجيا وتقنيات الجيل الخامس والسادس، ومستوى التعليم المتدني الذي وصل الى نسبة تخلف أكثر من 4مليون طفل عن المدرسة، مايؤشر على جهل ستعيشه المنطقة ينتج عنه حروب مستمرة قادمة.
إن حاجة إيقاف اطلاق النار لاتقل أهمية عن حاجة الإنسان في اليمن للأكسجين في الهواء، فإذا بدأت الأطراف المتنازعة في النظر حول الإنسان الذي يموت ستعرف أن البداية لتصحيح الوضع في المنطقة يبدء في إيجاد صلح وتوافق بعد تنازلات، لأجل المواطن الذي مالبث حتى ينعم بحياة الدنيا.
السيرة اليمنية حافلة بالموت، وكثير من الشواهد لم أكتب عنها، فما بين القبائل ثارات ونزاعات ودماء، ومابين الحروب الكبيرة حروب صغيرة وكل هذا ينتج عنه تخلف معيشي وتلوث بالمنطقة ورائحة بارود تملئ المكان، ليس هناك حل غير أن يلتف الشعب نحو نفسه ليقرر مصير حياته.

